سيد محمد طنطاوي

348

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

لأمتك ، التي اصطفيناها على سائر الأمم ، وجعلناها أمة وسطا . وقد ورثناها هذا الكتاب لتنتفع بهداياته . . وتسترشد بتوجيهاته ، وتعمل بأوامره ونواهيه . قال الآلوسي : قوله : * ( الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا ) * هم - كما قال ابن عباس وغيره - أمة محمد صلَّى اللَّه عليه وسلم ، فإن اللَّه - تعالى - اصطفاهم على سائر الأمم . . » « 1 » . وفي التعبير بالاصطفاء ، تنويه بفضل هؤلاء العباد ، وإشارة إلى فضلهم على غيرهم ، كما أن التعبير بالماضي يدل على تحقق هذا الاصطفاء . ثم قسم - سبحانه - هؤلاء العباد إلى ثلاثة أقسام فقال : * ( فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِه ، ومِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ . ومِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّه . . ) * . وجمهور العلماء على أن هذه الأقسام الثلاثة ، تعود إلى أفراد هذه الأمة الإسلامية . وأن المراد بالظالم لنفسه ، من زادت سيئاته على حسناته . وأن المراد بالمقتصد : من تساوت حسناته مع سيئاته . وأن المراد بالسابقين بالخيرات : من زادت حسناتهم على سيئاتهم . وعلى هذا يكون الضمير في قوله - تعالى - بعد ذلك : * ( جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها . . ) * يعود إلى تلك الأقسام الثلاثة ، لأنهم جميعا من أهل الجنة بفضل اللَّه ورحمته . ومن العلماء من يرى أن المراد بالظالم لنفسه : الكافر ، وعليه يكون الضمير في قوله : * ( يَدْخُلُونَها ) * يعود إلى المقتصد والسابق بالخيرات ، وأن هذه الآية نظير قوله - تعالى - في سورة الواقعة : وكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً . فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ . وأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ، والسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ . . . ومن المفسرين الذين رجحوا القول الأول ابن كثير فقد قال ما ملخصه : يقول - تعالى - ثم جعلنا القائمين بالكتاب العظيم . . . وهم هذه الأمة على ثلاثة أقسام : * ( فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِه ) * وهو المفرط في بعض الواجبات المرتكب لبعض المحرمات . * ( ومِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ ) * وهو المؤدى للواجبات التارك للمحرمات وقد يترك بعض المستحبات ، ويفعل بعض المكروهات . * ( ومِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّه ) * وهو الفاعل للواجبات والمستحبات . قال ابن عباس : هم أمة محمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ورثهم اللَّه - تعالى - كل كتاب أنزله . فظالمهم يغفر له ، ومقتصدهم يحاسب حسابا يسيرا ، وسابقهم يدخل الجنة بغير حساب .

--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 22 ص 194 .